ابن عربي
32
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
« وَقالَتِ الْيَهُودُ : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » كنّت بذلك عن البخل فأكذبهم اللّه بقوله : « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا » أي أبعدوا عن صفة الكرم الإلهي ، فإن أقوالهم أعمالهم فغلت أيديهم فوقع البخل الذي نسبوه إلى اللّه بهم « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » أي يداه مباركتان فيهما الرحمة فلم يقرن بهما شيئا من العذاب . وهذه عندنا من أرجى آية تقرأ علينا ، فعم الكرم يديه فلا تيأسوا من روح اللّه فالحكم للمشيئة ، وليست مشيئته غير ذاته فأسماؤه عينه ، وأحكامها حكمه ، فاليدان مبسوطتان ، واليدان مقبوضتان ، قبضت ما أعطاها الخلق وانبسطت بما يجود به الحق ، فمنه بدأ الجود وإليه يعود . [ توحيد ] - توحيد - اعلم أن اللّه تعالى بدليل العقل والشرع أحدي الكثرة بأسمائه الحسنى أو صفاته أو نسبه ، وهو بالشرع خاصة أحدي الكثرة في ذاته بما أخبر به عن نفسه « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » « ولما خلقت بيدي » « وتجري بأعيننا » « والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن » « وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » « وكلتا يدي ربي يمين مباركة » وهذه كلها وأمثالها أخبار عن الذات أخبر اللّه بها عن نفسه والأدلة العقلية تحيل ذلك ، فإن كان السامع صاحب النظر العقلي مؤمنا ، تكلّف التأويل في ذلك لوقوفه مع عقله ، وإن كان السامع منور الباطن بالإيمان آمن بذلك